عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
69
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
اعلم أن مراتب مقامات الولي ثلاثة : بداية ، ووسط ، ونهاية فأهل البداية هم المؤمنون الصالحون وهم ضد الكفار الفجار فلما سمى أهل الكفر بالعدو سمى أهل الإيمان والصلاح بالولي كما قال : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] لأن المؤمن يتولى اللّه بالعبادة والطاعة ، فيتولاه بالهداية ، وتوفيق الطاعة ، وهم الذين يتقربون إلى اللّه تارة بأداء ما افترض اللّه عليهم وأخرى لا يزالون يتقربون إليه بالنوافل حتى يحبهم ، فإذا أحبهم اللّه ، وبلغوا مقام المحبة فهم أهل الوسط في الولاية ولكنهم غير واقفين على ولايتهم ، ولهذا اختلفوا في أن الولي هل يجوز أن يعلم أنه ولي أم لا ؟ فكثير من المشايخ لا يجوزون ذلك ، وقال : إن الولي يلاحظ نفسه بعين الصغار وإن ظهر عليه شيء من الكرامات خاف أن يكون مكرا ، وهو مستشعر الخوف ، دائما يخاف سقوطه عما هو فيه ، وأن تكون عاقبته بخلاف حالته ، وهؤلاء يجعلون من شرط الولاية وفاء المآل وقد جوز جماعة منهم أن يعلم الولي أنه ولي ، وليس من شرط تحقيق الولاية في الحال الوفاء في المآل ، ثم إن كان ذلك من شرطه أيضا فيجوز أن يكون هذا الولي مخصوصا بكرامة هي تعريف الحق إياه أنه مأمون العاقبة ، إذ القول بكرامة الأولياء واجب ، وهو وإن فارقه خوف العاقبة فما هو عليه من الهيبة والتعظيم والإجلال في الحال أتم وأشد ، فإن اليسير من التعظيم والهيبة أهدى للقلوب من كثير من الخوف ، على أنه لا يأمن مكر اللّه تعالى بحال من الأحوال . ولما قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « عشرة في الجنة من أصحابي » « 1 » فالعشرة لا محالة صدقوا الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وعرفوا سلامة عاقبتهم ، ثم لم يقدح ذلك في حالهم ، ولأن شرط صحة المعرفة بالنبوة ، الوقوف على حد المعجزة . ويدخل في جملته العلم بحقيقة الكرامات ، فإذا رأى الكرامات ظاهرة عليه لا يمكنه أن لا يميز بينها وبين غيرها ، فإذا رأى شيئا من ذلك علم أنها في الحال على الحق ، ثم يجوز أن يعلم أنه في المآل يبقى على هذه الحالة فيكون هذا التعريف إياه كرامة له ، ثم اعلم أنه ليس من شرط الولاية الكرامات الظاهرة فقد يمكن أن يكون للمؤمن الصادق كرامة ظاهرة ، وأنه لم يبلغ حد الولاية بعد ، فإن ظهور الكرامات أكثرها في مقام الروحانية عند غلبات صفات الروح ، وصفاء القلب وتزكية النفس ، ورياضة البدن بقلة الطعام ، وقلة النوم وكثرة الذكر والمراقبة والعزلة ، إذ لم تنفتح عليه أبواب شواهد الحق ليخرجه من ظلمات الخلقة الروحانية إلى نور القدم
--> ( 1 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .